أحمد مصطفى المراغي

110

تفسير المراغي

في نوبتين ؟ فتقولوا إنه لا يقدر على حشر الموتى من قبورهم ، وتنسبوا إليه الأولاد وتقولوا إنه لم يبعث أنبياء - أي كيف تقولون هذا ، مع أنه خلق الأرض في يومين . ( وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ) أي وتجعلون له أندادا وأمثالا من الملائكة والجن والأصنام والأوثان . ثم شدد عليهم في الإنكار وبين أن مثل هذا لا ينبغي أن يكون فقال : ( ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ) أي ذلك الذي خلق الأرض في نوبتين نوبة جعلها جامدة بعد أن كانت كرة غازية ، ومرة جعلها ستا وعشرين طبقة في ستة أطوار كما بين ذلك علماء طبقات الأرض ( الجلوجيا ) - هو رب العالمين لا ربها وحدها ، فهو مربّى المخلوقات جميعا ، فإن رباها في نوبتين فقد ربى غيرها في نوبات يعلم سبحانه عددها ، فكيف يكون شئ منها ندّا له وضريبا ؟ . ثم بين إحكام ذلك الخلق وحسن تدبيره فقال : ( وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها ) أي وجعل فيها جبالا ثوابت مرتفعة عليها ، أسسها في الأرض وهي الطبقة الصوانية ، وهذه الطبقة هي التي برزت منها الجبال ، فالجبال أساسها بعيدة الغور ضاربة في جميع الطبقات واصلة إلى أول طبقة ، وهي الطبقة الصوانية التي لولاها لم تكن الأرض أرضا ولم نستقر عليها ؛ فأرضنا كرة من النار غطيت بطبقة صوّانية فوقها طبقات ألطف منها تكوّن فيها الحيوان والنبات على مدى الزمان ، والجبال نتوءات نتأت من تلك الطبقة وارتفعت فوقها عشرات آلاف الكيلو مترات ، وصارت مخازن للمياه والمعادن وهداية للطرق وحافظة للهواء والسحاب . ( وَبارَكَ فِيها ) أي وجعلها مباركة كثيرة الخيرات بما خلق فيها من المنافع ، فجعل جبالها مبدأ لجريان الأنهار ، ومخزنا للمعادن كالذهب والفضة والحديد والنحاس . ( وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها ) أي قدر لأهلها من الأقوات ما يناسب حال كل إقليم من مطاعم وملابس ونبات ، ليكون بعض الناس محتاجا إلى بعض ، فتروج المتاجر بينهم